الشنقيطي

195

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هريرة « 1 » ، وابن عباس ، ومعاوية بن الحكم السلمي « 2 » ، والشريد بن سويد الثقفي رضي اللّه عنهم « 3 » . وفي بعض رواياتهم : أنها أشارت إلى السماء . قال أبو داود في سننه : حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، ثنا يزيد بن هارون ، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد اللّه ، عن عبد اللّه بن عتبة ، عن أبي هريرة : أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بجارية سوداء فقال : يا رسول اللّه ، إن علي رقبة مؤمنة ؟ فقال لها : « أين اللّه » ؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها : « فمن أنا » ؟ فأشارت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى السماء ، يعني أنت رسول اللّه . فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » « 4 » . والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها أين اللّه قالت في السماء من غير ذكر الإشارة ، على أنّها قالت ذلك بالإشارة ؛ لأنّ القصة واحدة والروايات يفسّر بعضها بعضا . قال أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره في سورة « آل عمران » في الكلام على قوله تعالى قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [ آل عمران : 41 ] ما نصه : في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام ، وذلك موجود في كثير من السنة ، وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أمر السوداء حين قال لها : « أين اللّه » ؟ فأشارت برأسها إلى السماء ، فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » « 5 » فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديان الذي يحرز به الدم والمال ، وتستحق به الجنّة وينجي به من النار ، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة ، وهو قول عامّة الفقهاء . وروى ابن القاسم عن مالك : أنّ الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه . وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه : فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق . وقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف ، وإن شك فيها فهذا باطل ، وليس ذلك بقياس ، وإنما هو استحسان . والقياس في هذا كله أنه باطل ، لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته - انتهى محل الغرض من كلام القرطبي رحمه اللّه . وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء متعددة ، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر رمضان فضرب بيديه فقال : « الشهر هكذا

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3284 ، وأحمد في المسند 2 / 291 . ( 2 ) أخرجه عن معاوية بن الحكم السلمي : مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 33 ، وأبو داود في الصلاة حديث 930 ، والأيمان والنذور حديث 3282 ، والنسائي في السهو ، باب الكلام في الصلاة . ( 3 ) أخرجه عن الشريد بن سويد الثقفي : أبو داود في الأيمان والنذور حديث 3283 ، والدارمي في النذور والأيمان ، باب إذا كان على الرجل رقبة مؤمنة . ( 4 ) سبق تخريجه . ( 5 ) سبق تخريجه .